الشنقيطي
150
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الموعود بنجاتهم حتى قال : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [ هود : 45 ] الآية ، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره اللّه بقوله : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) [ هود : 46 ] . وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [ هود : 31 ] الآية ، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 31 - 32 ] . فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل ، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم اللّه تعالى ، وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء ، كما أشار له بقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 179 ] ، وقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] ، الآية . تنبيه لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا اللّه كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين ، وبعض منها يكون كفرا . ولذا ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أتى عرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما » « 1 » ، ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة والكهانة والعرافة ، والطرق والزجر ، والنجوم وكل ذلك يدخل في الكهانة ، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب . وقد سئل صلى اللّه عليه وسلم عن الكهّان فقال : « ليسوا بشيء » « 2 » . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه : فمن قال إنه ينزل الغيث غدا ؛ وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا ، وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر ، فإن لم يجزم ، وقال : إن النوء ينزل به الماء عادة ، وإنه سبب الماء عادة ، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به ، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر وجهلا بلطيف حكمته ، لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا ، ومرة دون النوء . قال اللّه تعالى : « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب « 3 » » على ما يأتي بيانه في
--> ( 1 ) أخرجه عن بعض أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم : مسلم في السلام حديث 125 . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الطب حديث 5762 ، والأدب حديث 6213 ، والتوحيد حديث 7561 ، ومسلم في السلام حديث 123 . ( 3 ) أخرجه عن زيد بن خالد الجهني : البخاري في المغازي حديث 4147 ، ومسلم في الإيمان حديث 125 .